الأحد، 7 يوليو 2013

جدي العزيز،،

لستُ بارعةً كثيراً في كتابة الرسائل، ولكني أحاول الآن لأن صوتي مخنوقٌ ياجدي، مخنوقٌ ولا يصل.
 أبعثُ لكَ دوماً برسائل خاصة جداً أهمس بها لله في صلواتي لكني لا أعلم إن كان من المسموح أن تصلك رسائلي حيث أنت هناك. أنا أصلاً لستُ واثقة من أي شيء ولذا تتكورُ هذه الغصة في حلقي وتتركز ولذا أنا أظن تكراراً بأن كل ماحدث هو مجرد كابوس يعيدُ نفسه في رأسي كل ساعة أتذكرك بها! لستُ واثقةً من أي شيء، ولكني واثقة أنني أحبك كثيراً و أشتاق إليك أكثر.

سأقول لك من الجيد أنك رحلت، لأن العالم بات رديئاً يا جدي بصورة لا تُحتمَل. غيرَ أنني سأفكر حقاً أنه ليس من الجيد أبداً أنك رحلت. ولم يكن ليعنيني تهالك هذا العالم بهذا القدر لو لم ترحل.
لا أظن أن من العدل أن أتذمر لرحيلك هكذا ولكنكَ كنتَ جداً جميلاً و شاباً ووسيماً جداً، وكنتُ حفيدةً مغرورة بجدها الراسخ في نفسها كَـمُسلّمَة،  وكنتَ الجدَّ الذي تبقى لي، على قيد الحياة والفرح. الجد الذي أحببت.

وسأدرك الآن كم كبرتُ يومَ رحلت، وكم من الفرحِ فقدت.  فأن يكون لك جدّ يعني أن تبقى طفلاً للأبد. يعني أن تحتفي بقبلاتك على اليد القوية ذات التجاعيد الخفيفة، أن تستمتع بتلك اليد وهي تضغط على رأسك مداعبة، يعني أن ترقص على  أنغام موسيقى إلهية وأنت تسمع حكاية أو حواراً عادياً من فم جدك. أن يكونَ لك جدٌّ يعني أن تكون محظوظاً إلى حدٍ بعيدٍ دون أن تدرك ذلك تماماً، حتى تفقد ورقة الحظّ تلكَ إلى الأبد.

ماكانت المكالمات الهاتفية تغني عن رؤياك جدّي، فهل تسامحني على غبائي في السؤال عنك؟ ماكنتُ أعرف أنك سترحل، وسيجيء رحيلك درامياً جدّو. درامياً جداً كأن يأتي مباغتاً مابينَ فرحين!

سأخبرك،

كان من الحماقة أن أواجه موتَك بكل ذاك الضعف ولكني تهالكت بالرغم من أنني تسلحتُ بكل إيمانياتي لأجلك، قابلتُ الموت راضخة، صافحتهُ مُرغَمة، جثوتُ أمامه واحتضنتك، قبلتُ رأسك النائم وهمستُ بأذنك شيئاً ما. فعلتُ كل ذلك، غير أن لاشيء كان سيدفعُ عني كل هذا الحنين الآن. لا شيئ أبداً.

وسأذكرُ تماماً كيف أنني هربتُ يومها من وجه أبي لأنني لم أنسَ يوماً تلكَ الدمعة التي لم يرَها أحدٌ على خدكَ غيري. دمعة صغيرة كتلك، قتلتني على مدى ثلاثة عشرَ عاماً ولم أستطع نسيانها حتى اليوم. أنا لم أُرِد أن أُقتلَ مجدداً إذا رأيتُ دمعَ أبي، ولذا خبأتُ نفسي جيداً،
أو هكذا ظننت. 

جدي،
 أنا أحبكَ كثيراً، فهل يخبرُكَ الله كم أفعل؟ وكم أشتاق إليك؟ وكم أستعجلُ يوماً نكون فيه جميعنا معاً فرحين فرحاً أبدياً لا حزنَ بعده. سامحني جدّي وتجاهل هذا القدر من الحزن في رسالتي كي لا أحزنك، و اعلم فقط كم أحبك كثيراً وأشتاق إليك..


 هذه المرة سأكون واثقة بأن هذه رسالة طيبة سيتولى الله أمر أن تصل كما أحب.




الخميس، 11 أبريل 2013

سفر




يا عابِري،

زمنٌ بعد زمن ونحن ننشغلُ بنا 
نتسلى بتفاحةِ النسيان
وندّعي ألا ذاكرةَ سوداءَ تجمعُنا،
تفرقُنا،
وتلّم شتاتَ شيءٍ ما 
سأسميه اليومَ،
 "بؤسنَا"

ياعابِري،
وجع بعد وجع يعتصرُ خاصرةَ الوقتْ
يستبدُ كحاكمٍ بيَدِ عصا عمياء
الحواس لا تبصر
إنها تعي
 أن لا وطنَ بلا قلب،
ولا ذاكرة،
ولا ضغينة!

أتعلم؟
 الحبُّ أعمى
الضغينةُ عمياء ياصديقي أيضاً.
أوَلسنا جميعنا كذلك!


ثم إنني أصلاً ماعُدتُ أنا
بيني وبيني اثنتان
وشياطين عديدة
تؤدي طقوسا لكل واحدةٍ مِني على حدة 
وتشعل النارَ حولنا،
انا وقلبي واثنتاي
ترفعنا
وتلعن أزيز الظلام.
وهذه الدروب المقفرة
ليلها حالك
انظر في عينيك 
أراها
أراك
أراها.. أرانا
أراك

وأنا في هذا الليل الممتد أعبرُ السفرَ راكبةً خلفية
وتعبرني أنت راكباً علوي
فضاء المسافات الطويلة حالكٌ كأقدارنا   
نعبر هذا الليل
ويعبرنا ..
 معاً 
 كل هذه الطرقات ولا نلتقي! 
هل حقاً كرويةٌ هي الارض؟

ياعابري،
أكتب كي لا ينثني الليلُ
وتنحني الشمسُ و سلة حصادنا فارغة.
أكتبُ كيما أؤثثَ هذا البياض وذاك السواد 
بسُمرةٍ وقمحٍ وشيءٍ من ماء.
لك السنابلُ ياعابري ولي خصَبُ الترابْ.
لك الحقلُ ولي نِثار الحمام وريشِ الغربانِ الساقطِ  كأثرِ نميمةٍ عابرة.
لك السلامُ ولي كل هذ العراك، وضجيج الناقمين وسذاجة الاوفياء.
لك النهار و لي هذه الظلمة المرصّعة،
هذا التراشق الخفيّ.
لك سُمرتي ولي البريق الشقي في عينَيّ فلاحةٍ عاشقة.. 
لك طفولتي ولي ظِلُّ جدي قبل أن يسكت صوته للأبد.

ولنا معاً هذا الفراق
هذا الفراق
هذا الفراق


لنا كل هذا العبور
ولنا الله


الجمعة، 12 أكتوبر 2012

شاي جدتي






تخبرني شيطانةٌ صغيرة أن الشاي في هذا الوقت المتأخر من المساء -أعني مابعد منتصف الليل- قد يصلح عطب هذا اليوم. 
أفكر وأنا أحاول أن أحتسي الشاي بطريقةٍ متحضرة، فيما لو كان ذلك ممكناً! 
غير أنني سرعان ما أتذكرُ بمرارةٍ لذة مذاق شاي الحبقِ في كؤوس جبن الكرافت التي كانت جدتي تستعملها لتقديم الشاي. 
ياللمرارة! كل هذا الجهد، هذا العناء، هذه الطقوس المصطنعة، شمعةٌ تتراقص، وليلٌ يرافقُ أغنيةً فرنسية، جلسةٌ متأنقة، وكل هذا الكريستال الفاخر، هذه الوجوه المصبوغة بأضواء المدينة، وتلك القهقهات التي تحز السكون في حنجرة الليل برعونة، 
كل هذا لأتذكرَ كم كان شاي جدتي الملّقمِ لذيذاً، وكم كان كأسُ الشايِ المتواضعِ فاخراً، وكم كان فستاني الملطخ بالوحل جميلاً، وكم أنا اليوم غريبةٌ جداً ياجدتي،
غريبة، تماماً كما قد تبدوا كؤوسك المبتكرة تلك في حفل الكريستال الباذخ هذا.


الثلاثاء، 15 مايو 2012

جناحايَ من ورَق




كان قد ترَكَنا عند كراسي المطار المتناثرة وغاب بين عربات الحقائب الملونة.
حين عاد ووجدني مُنكَبَة بقلمي على دفترٍ صغير، رفعَ حاجبيه مُتندِّراً وقال، "هل حقاً لازلتم تعيشون بيننا! أنتم، من تكتبون مذكراتكم اليومية!؟".


الواقع انني لم أكن أفعل ذلك، كل مافي الأمر هو أن جملةً عبرت رأسي كغزالٍ صغير فعرقلتُ مرورها بقلم!
أنا لم أعد أكتب كثيراً، ولم أكن أفعل ذلك أصلاً، أعني الكتابة بكثرة. أظن بأن الكلام الذي يختبئ بداخلي هو أكثر بكثير مما أدعه يخرج. ملاحظة سخيفة أعلمُ ذلك. الأمر هو ربما محاولة غير مقصودة مني لإخماد جذوة الثرثرة، وهذا أمر غير جيد، أعلم! يذكرني هذا بورشة عملٍ شيّقة كنت مشاركةً فيها، ولم أستطع تمالك نفسي عن المداخلة والتعليق على غير العادة. وجدتني بعد عدة مداخلات أكتب في الدفتر أمامي وأنا أتكئ على القلم بشدة "SHHHUT UP!"


المهم أن ذلك الذي لم يتورع عن إطلاق ملاحظة ساخرة أو ربما مستهجنة، أشعرني وكأني ضُبِطتُ متلبسة بفعلٍ أخرق، ولم أعلق وقتها.


لم يكن الأمر أكثر من كونه حادثة. غزالٌ صغير يركض في رأسي وتثير قفزاته غبار الكلمات الخاملة. قلبي كان يركضُ هو الآخر، يركض ويسبقني إلى حجرتي، إلى أشيائي، وسائدي، رائحتي التي تركت هناك، (لانحنائةٍ قد تكون أو لاتكون) لفردة الحذاء الملقاة في وسط الحجرة، للفوضى التي لم تتسع لها حقائب السفر وبقيَت تمارس صمتها عند سجادة الصلاة. 


المطار الشاسع كان يبدو كبهو فندق أنيق، غلبت عليه ألوان الخشب الماهوقني والذهبي والبرونز. جناحان هائلان أخذا مساحة كاملة لأحد الجدران، أعني جناحيّ طائر.لابد أن يكون إهداءً من أحد فناني المنطقة .  على يمينه قليلاً كانت منطقة مفتوحة من ألعاب البلاي قراوند للأطفال! لا يبدو المشهد برمته متناسباً مع صورة  أي مطار نموذجي تحتفظ بها في ذهنك، غير أن لاشي كان يبدو متسقاً أو متناسقاً سوى جناحي ذلك الطائر المفقود ولون الخشب الصقيل هنا وهناك.


جناحان معدنييان بالكامل، مفتوحان على آخرهما في دعوة غير مغرية أبداً لاحتضان المسافرين أو لتوديعهم!
ذهبيان كبيران، كنتُ لأتمنى أنني تعلقت بهما أو تعلقا بي، لولا أن هيكلهما المعدني لم يكن ليلائم هذا الجسد الطيني.


ودّعناه، فيما تبعتني ابتسامته الساخرة حتى باب الطائرة، وكلماته، "اكتبي في الطائرة أيضاً"!


أكرهُ باب الطائرة! أكرهه كثيراً. أشعر بأنه يمارس علي سلطوية مطلقة. باب حديدي سخيف لم أتمعن تماماً يوماً في كيفية فتحه أو إغلاقه. أفهم فقط أن هناك إشارات مضيئة ينبغي أن تقودني إليه في حال وقع مكروه. هذا "المكروه" أمرٌ أفهمه تماماً. أفهمهُ أكثر مما ينبغي ربما، حتى أنني لا أستطيع فهم أي شيءٍ عداه وأنا على متن ذاك الشيء.
لا أظن بأني أخشى الارتفاعات، فأنا لا أمانع الجبل، ولا الجسر، وقد تعلقت يوماً ببارشوت عالٍ يجرّه قاربٌ سريع ولم أمت هلَعاً!
أنا فقط أخشى الهاوية، وأخشى الموت في المنتصف، وأخشى ذلك الطائر المعدني.


أجلس، أحاول أن أغمض عيني. دائماً رحلات العودة أشقُ عليَ. فقط أود الوصول. فقط أتخيل معنى أن أعود لأجد كل الفخاخ التي نصبتُها لعودتي لازالت تنتظرني. كلها منصوبة كما تركت!


ثم هأنذا أعود، فيستحوذ عليَ الملل المسائي في حين يضرب ابن السابعة بقبضته درابزين المنزل لأنه "طفشان"، بينما أتسلى أنا بالعبوس في وجه المساءات المضجِرة، تلك التي تعقبُ العودة. تلك التي تذكرك أنك بالأمس فقط كنتَ تمشي في شوارع مدينة تسبرُ دهاليزها وتتذوق اصواتها وروائحها وتستمتع بتأديتك دورٍَ الغريب فيها.
 ثم أنكَ تعود. في كل الأحوال تعود. ستكون ممتناً جداً أو ممتعظاً جداً، وكلاهما أمرٌ متوقع. ستحاول قتل الوقتِ بمعاقرة المقاهي وستكتشف أن  كل المقاهي رديئة، لكن بعضها يجيد التبرج، بينما لا تغسلُ الأخرى وجوهها أبداً! وهي جميعاً تسلبك المال بطريقة متحضرة مقابل جلسة "متأنقة" ليست لكَ بالكامل ومحاولات عديدة لنسيان أمور وتذكر أخرى.  ستطلب قهوتك وستجيئك كما أردت تماما أو بلا طعم أبداً.


 ثم ماذا يعني؟ ماذا يعني أن يتخذ الوقت شكل مقهى رديء، ميدانٍ بليد، دراجةٍ لا تتحرك، شمس لا تُغيّر فستانها، شارع لا يردمُ حفره، بقالة بإنارةٍ زرقاء لاتفسد شراهتك للشراء رغم قبحها.. عادي جداً!


العادي أيضاً أنك تصبح بليداً جداً ومُحصّناً، وغير قابل للوخز، تماماً كممحاة تعيشُ في علبة هندسة، وتخرج رغم كل تلك الخوازيق والزوايا الحادة أنيقة، بيضاء، وبلا ندوب! 


عادي جداً أن تصبح الحياة مضجِرة، ذات زوايا حادة وأطراف مستقيمة،
عادي جداً أن تصبح كـ علبة هندسة ، أو كـ جناحين معدنيين يتعلقان رغماً عنك بظهر قلبك.
أو أن تكونَ "ممحاة"! ما العيب في ذلك؟ أصلاً لطالما كانت الممحاةُ بطلة كل علب الهندسة. الأمر أشبه مايكون بـ ولادة، معجزة، أو بريفية أنيقة تخرج من فندق في لاس فيجاس! 
عادي جداً! 


عادي جداً أن لا تكتب لأنك تخشى أن تخدش جدران الوقت والذائقة،   لا لا!  ليس ذلك عادياً. :/ أظنني سأتوقف عن الاهتمام بذلك. على الأشياء أن تتولى مهمة إصلاح خدوشها بعد اليوم وإن لم تفعل فتنقصها الكفاءة إذن.


أنا أصلاً لا أخدشُ كثيراً،
فأنا طينيَة ليّنة و جناحايَ من ورق!

الأربعاء، 21 مارس 2012

Light in My Heart



I hide a light in my heart, 
A light that neither tells nor deceives,
I reach to it and get burnt sometimes,
And still my hand would never cease!
Not the pain I fear but when worries tide,
You know how life doesn't always please!
And despite that Good and Bad reside,
'Heart" is home and it's 'home' we need.
This light for sure,
Some'd see as Fire and some'd find it peace,
My heart's a sun that has to rise,
 Or else I'd freeze.


الأربعاء، 7 مارس 2012

فوبيا


..
نتملق السماء  حين نمتطي الريح
شهوة الأرض تعترينا 
كلُ  هذا القطنِ، هذا السديم
هذه اللانهاية،
العنجهية الساكنة في قلب الشيء الذي لا نرى
في جسد الأفق
 المسجى كسراب

سحائب الغيب،  قطن الغيث..
وعنجهية الأرض
 حين تتبدل خنوعاً 
يتحرر منها التراب
ونحنُ،
والرفقة الممتطون صهوة الأحلام)
وجاذبيةٌ
نتملق السماء 
حينما راغمين أو راغبين نلعن الأرض ونهرب
قطعاً نستكين للغيم 
وللصمت المطبق في تواتره،
في ضوضائه،
وفي السكون الجاثمِ علينا كـ.سرمد. 

في صمم الآذان إذعان يقتل
في الطنين اللامنتهي..
في نظرة ملاحي الطائرة نبحث عن ابتسامةٍ مطمئنة/ 
أو رعونةٍ لا تخرج عن السياق
أيبحث أحدهم عن سلامة (قلبه) في قالبٍ يرتدي بزّة منمقة 
ويعرفُ جيداً تضاريس المطبات الهوائية؟
في وجع يحافظ على ابتسامة غامضة ترافقها تقطيبة مُفتعلة!

في ترنح الراكب المارق عند مطب هوائي يسقط القلب مسافة ٣٠٠ألف  فزع 
قبل أن يصل الراكب لمقعده لاهثاً 
لاعناً الفيلم الذي كان يتابعه
متملقاً الرب:
أخيراً عرفتكَ،
منها خلقناكم
وفيها نعيدكم
ومنها نخرجكم تارة أخرى!

لا،  ليس في السماء ولا منها ولا إليها..
أيتها الجاذبية،
أقبلّ الأرض التي تحتويك
أدوسُ الغبارَ الذي يزدريكِ
كلّ ترابٍ أبي 
كل أرضٍ أمي
من الطين أنا، قدماي ماهي إلا بعض وحله
أنا التراب الطاهرُ
أنا الطميُ
وأنا الحصى،
وأنا الوحلُ (اللامحمود) (والعاقبة المُوحِلة)

أقبّل أي أرضٍ
وكل أرضْ..
وللسماء أنظر بتوجسٍ حيث أنني أكونُ بشراً،
وحين أتقمص هيئة الطير أحنّ إليها
وأبكي جناحيّ الذي قصصتُ  يوم أحببتُ البَشر وتركتُ ملكوت السماوات
أو كلما فردتُ جناحي لأطير أنزلني الربُّ بلطف منه 
 فإذ بي أستكينُ كطيرٍ سلّم جناحيه لله والقدر
هكذا أتقوقع.. هكذا أستكن
هذا الطينُ أبي.. كلَ أرضٍ   أمي 
جناحايَ  وديعةُ الله
وهذه السماء حلمٌ مهيب 
كقدرٍ 
أو ربما كـ فاجعة

الاثنين، 6 فبراير 2012

نوستالجيا الضوء






البيوت القديمة، الذكريات، رائحة فحم التنور، دعوات الأمهات الطيبة على نواصي المساء، النوافذ المضاءة بحكايا الجدات، وأزيز صراصير الليل المضيئة،
تلك الألفة الحزينة، الألفة المُبكية،  
تلك اللهفة لما يلي الليل، وما يتبع النهار، ومايزيد الحياة حياة ويُشبعُ التفاصيل القديمة بطيوف ألوانٍ يعرفها القلب جيداً ..

نسترق النظر للنوافذ، الوجوه، التجاعيد العميقة، الطرقات الضيقة، لذلك الأثر البعيد في صوت جدةٍ بعيدة كنا نعبث بمذياعها، نذكر الإطار السميك لعويناتها أكثر من ملامح وجهها، ورداء القطن الأبيض المطرز تحت فساتينها..  


نذكرُ الأصوات الجماعية لرفقة النهار حين تداعب أصواتهم وحصاهم الصغيرة زجاج النوافذ الصديقة... ووقع دقات الأرجل العارية على تراب الكثيب الذي يتخده الصِبيةُ ملعباً..

نذكرُ نداءات الحواتين في الصباحات، وعربات البطاطا والمثلجات، بائعي الذرة المشوية وطائراتنا الورقية الملونة إذ تتبع سربنا الجميل الذي يداعب أديم الأرض الأرحب فيما تتعلق الأعين بزرقة السماء وسرب طيور ملون يوزع الفرح على أفواه الصغار المندهشة!



دفعة واحدة تنهال الذكريات، فتسحق أسوارنا وتلك العزلة المنيعة، ذلك التمدّن المعلّب، والأنفة المعقدة..
دفعة واحدة نتسلل من كوّة في زاوية خفية من القلب متوشحين شيئا من حنين مشبوه نتناوله بقداسة من أيدي رفاقٍ خفيين لانعرفهم.


مانحن إن لم نتذكر رائحة الطريق غير المعبّدة وتراب الأزّقة وصرير الأراجيح الخشبية والأبواب البحرية وعرق الأسماك المسافر من الساحل عبر حارات المدينة!
ما أنا إن لم أتذكر وقع عصى جدي على العتبات، منديل جدتي، وأغنيات رددتها الخالات يوم كانت المدينة تشبه صندوق ألعابٍ صغير يصدر الدهشة.. 


نحنُ نذكرُ كل شيئ، نذكرهُ تماماً، ونخبئ في ركنٍ قصيٍ منا تلك الفتنة المغوية وذلك الجمال العصيّ على التكرار،
لامناص من النسيان فالذكرى موتٌ آخر،

وهذه الذاكرة المرهقة المثقلة ستنهارُ كمبنى مهترئ،
ستنهمرُ كغيمة عند شباك مطعمٍ أرمني، سأجلسُ قبالته على شرفة شتوية .. ستتسمر عيناي على قضبانه، على ستائر الحرير المطرز، الحائط الحجري، والإطار العتيق الذي سيحيط بصورة جدّي السابع عشر..


هذا الحائط الحجري كان يضعُ لبناته بناءٌ لم يفكر قط كم سيصلح هذا الجدار من عطب ذاكرةٍ لعابر، وكم سيفسد سيل الذكريات الملّون هذا إسمنت المدينة الرمادي!

هذه الذاكرة المثقلة، هذا الحَمل الطويلُ الطويل.. كم بهم من جمال،
وكيف حين لاندشن وحدتنا بهم، لا نتفتح، لا نزهر، لا نثمر؟ لا نضيء؟  كيف؟ كيف؟


فقط لو أننا نسترق الذكريات أو نسرقها، 
فقط لو تبدت لنا في المرايا ملامح أطفال يشبهوننا،،

فقط لو عادت تلك البيوت القديمة، النوافذ، الحكايات، ورائحة الصبح المتسللة من خشب النافذة العتيق، وصوت أغاني المذياع ترافق قرقعة أواني الجدات في المطابخ الحجريّة، 

هل كان كل شيء حينها سيكون على مايرام؟!

السبت، 26 نوفمبر 2011

كما لو كنّا




كما لو كنّا ((معاً))..
تعبرنا السنواتُ الضوئية والأرضية ((معاً))
كما لو كان الكون الشاسعُ يتسعُ
 لنجمينِ ضئيلين يعبرانِ مابينَ قلبينا ((معاً))
كما لو كان الوجعُ ليسَ معتّقاً بهذا القدرِ
كدهنٍ ثمينٍ
يزهدُ بنا إذ لا يضّمّخُنا ((معاً))
وكما لو أن الفرح ماثلٌ دائماً في الصدر
كـ ظنٍّ .. كـ نبضٍ ..
 أو كـ سُورةٍ تُعيذنا من شرِّ الفراقِ (معاً).
ضع مرءاتكَ خلفكَ وامشِ بها
بارّاً قدَرَكَ..
كانعكاسٍ لا يخونُ طبيعتَه ووجهَك ((معاً))
وسأهمسُ في أذنك ذات حقيقة،
 ششـشـ... "لسنا معاً"
*
برّ قدرك يا هذا
حتى لو كان تعيساً وقابِضاً
حتى لو كانَ ثقيلاً ومائلاً..
و ضَعْ يدَك في يدي
أو روحَكَ في روحي
ولْنعبُر هذا النفق المظلمَ ((معاً))
كشبحينِ لا يسعيان لأذى
ولا يرومانِ جسداً أو وطنْ..
وتظاهر أن كل شيءٍ على مايُرام
وأن النهايات سعيدة
وأن البدايات الرديئةُ قدَر
تصرّف كمن أضاع البوصلة
ولنصلِح عطَبَ قلوبنا (لنستدل الدروب)
(لاحزنَ يقتلُنا ولا شجَن)
كما لو أننا ذرتين سادرتين
كما لو كنّا طائرين مهاجرين..
كما لو أننا شجرتين صديقتين..
*
من قالَ أن الأشجار وحيدة ياصديقي؟!
من قالَ ذلكَ لم يرَ الغابةَ يوماً
ولم يعلق قلبه على غصنين
يتعانقان ليحملا عشاً ووطن


الأربعاء، 19 أكتوبر 2011


 لعنةُ الإسمنت
 رمادول


" سأقولها صراحةً، وبكل وضوح!
أنا بحاجة لأن ألفُظَ المدينة من داخلي. لأن أنفضَ هذا الغبار الإسمنتي من على كتفيّ وذاكرتي.. أنا بحاجة لأن أتحرر.. أتحرر كلياً، نهائياً، وقطعياً. بصورةٍ حاسمة، ودون أدنى شك! "

هذا الصباح يمر كغيره. يتقدم ساعتين أو يتأخر ساعتين. ذاتُ البوابةِ العتيقة، الوجوه الكالحة، الأصوات الجشّة، والضحكات التي يسبق سفورها الزمن بسنواتٍ ضوئية..

تانكَ المرأتان اللتان تقتعدان كرسيين حديديين كما كل يوم، وثالثة تتكئ بسطوة على إطار الباب الشامت، كلهنّ يبدينَ بهيئةٍ واحدة، غير أن إحداهن لا بد أن تكون نحيلةً أكثر مما يجب، والأخريتان بدينتان قليلاً. هكذا كان الأمرُ دائماً.
أعبرُ مُتعمدة أن أثقل الخطوَ استعداداً للسؤال البديهي: بطاقتكِ يا...!؟
يخرجُ الصوتُ آلياً وبطيئاً إلى حدٍ يتعينُ عليك معه أن تؤخر ساعتك دقيقتين أو أكثر في تلك الثانيتين. يخرجُ الصوت آلياً جداً، لأجد نفسي أدققُ في الوجه الرمادي بحثاً عن براغٍ  ينبغي أن تكون مزروعةً في مكان ما على فكين معدنيين!
أخطو بسأمٍ ولامبالاةٍ عابرةً المدى الفلورسنتي نحو شمسٍ تختلف عن تلك التي بالخارج أنها أشد وطأة وأقوَمُ زمهريرا..
هذا السأم ينالُ مني، أعترف! هذه المدينة تحتلني بصورةٍ سلبية جداً. لقد حرثتني بمخالب مطليّة، وبذرتني بمسامير وبراغٍ صدئة في انتظار أن تتبرعم بذورها لتحصدني مدناً رمادية، مصانعَ، روبوتات، ناطحات سحاب، مكاتب باردة، عيادات تجميل، وأطفالُ أنابيبٍ بلا ملامح.
إنني أتآكل شيئاً فشيئاً. يغسلني السأمُ من درجات الطينيّ وخِفَّةِ الريحِ والأبيض السماويّ، ويحقِنُ جلدي بثِقل لونٍ زئبقيٍ مراوغ، أخفيهِ تحت مساحيق الزينة ذات الألوان الأرضيّة العارية.
 صديقُ المدينة الساكن في طبقة سماويةٍ دنيا يشتلُ قشةً في ظهري، يمتصني من خلالها أنّى شاء. صديقتي التي يغطيها الرمادي الهندسيّ حتى لم أعُد أذكر شكلها تقول بأنني أفقد وَزني بصورةٍ مريعة!

أقولُ إن هذه المدينة تحتلني بصورةٍ سلبيةٍ جداً في كل يومٍ أزعم أني سألفظها خارجي، ومن ثم فإني أنفض هذا الرماديّ من على كتفيَّ ورأسي، وأزيح بقايا عظام المدينة النخرة بشهيق يستنهضُ  كل ذرة يخضورٍ في شجيرات المدينة قد تصيبُ قلبي بعدوى الأخضر المبكي!

يا إلهي! مضَت سنتان ونيف وقلبي مترعٌ بتفاصيل المدينة الفاسدة. صدري منفضة دخانها.
 أيُّ تلك العاهرة!
بشفتين حمراوين وبثرة تفضح فسقها المحموم. تنظر نحوي فأنكمشُ على نفسي لاعنة: لم يحن ليلُك بعد!
شمسُ الظهيرة تلسعُ قفايَ كحيّة ناريّة. هو الآخرُ لم يُدَنَّس بعد. لم تَطَلْهُ لعنة الإسمنت. لم تزل يدُ صغيرةٍ تظللُ طهره وتعبسُ في وجهِ الشموسٍ المتأججة..
 لم تكن الشمس بريئةً يوماً. كنتُ أعرف ذلك دوماً.

سألفظ المدينة، هنا! الآن!
أتوسطُ الممر المؤدّي إلى أحد المباني الـ بلا أية ملامح. أتوقف. سأتقيأُ المدينة، الآنَ وهنا. وسأخلعُ عني هذا المكسوّ رماداً الآن. كلكم شاهد، وكلكنَّ ستمضين بشفاهكن المزيفة، بالأحمر المقزز، بالعلك المرافق لسوقية أفواهكنّ العطنة..
نوبةٌ سعالٍ حادة توقعني أرضاً. وحشٌ يضغط على كتفيّ، ويلكمني مراراً تحت بنية المدينة التحتية في المنطقة الرمادية من جسدي. أسعلُ بشدة. أسعلُ، أسعل.. فتخرج قطعٌ من الرماد في راحة يدي.. نشوةُ تعتريني فترتجف أطرافي، غير أنها سرعان ما تزول حين أسمع قهقهةً تصدر من جوفي!
"أيتها اللعينة! ظننتُ أنني ألفظك!"

تعينني نملةٌ عابرةٌ على الوقوف. تلتقي أعيننا هنيهةً فأغيبُ في مدينةٍ طينيةٍ لا إسمنت بها. أتنفسُ رائحة الطين ويديّ الطفلتين وخشب باب جدّي العتيق..
أصلحُ من هندامي، أعيدُ نظارتي السوداء على عيني مخفيةً نصف وجهي خلفها، كما أفعلُ كل يوم..

(ليست الهزائم المتكررة مُربكة إلى ذلك الحد) لم يكن الأمرُ سيئاً كم ذكرت، لستُ بحاجة أن ألفظ أي شيء.
 تلك العاهرة تستلقي متكئة على ألمِ صدري، تبتسمُ ابتسامتها الفاسقة ذاتها، وفيما أكمل طريقي نحو المبنى الرماديّ، تطلُّ هيَ من نافذتها المفتوحة عنوةً في صدري على دربي المزدحم بشياطين الشمس وظلال العابرين، وترسمُ طريقي الذي (أذعنتُ) له مذ وقّعتُ تلك الورقة في أحد النهارات المشؤومة تحت شمس ظهيرة تشبه هذه تماماً، غير أنها كانت ترتدي قلنسوة راهبة تصلي، أو هكذا ظننت..
* * *
حبةٌ رمادية مغلّفة بورق القصدير، أقرأُها "رمادول", ترافقها قاروة ماء صنعتها شركة الكولا للمبيدات البشرية.
 لا..
كل شيءٍ جيد.. لا شيء يتآمرُ ضدي، أبداً!

سأقولها صراحةً،

" ششششـــ ....
 لم تكن النوايا دائماً طيبة.
ولم تكن الشمس بريئةً يوماً. كما أنني.. كنتُ أعرفُ ذلك دوماً."