الثلاثاء، 14 أكتوبر، 2014

إني أتحرر


أَعتِقُني من طين الأرضِ 
وضَوعِ الماءِ 
وهميِ الغيمِ إذا أمطر

أتحررُ من ظلي، لوني، رائحتي
من غصنِ الليمون بشعري
وحمائم فجر النافذةِ
ونقرِ عصى جدي الراحل
ونداءه من بُعدٍ يعلو: مَنْ.. مَنْ؟
يعرُفنا من ركض الأرجلْ،
وحفيف القدم الحافيةِ على السطحِ
ويسأل: مَنْ!

إني أتحرر،
من صوتِ الجارة،
من مبخرةِ الجمعة،
ومن غدرِ الفجأة إذ تأتي
وأنا أُنشدُ أغنيةً صفرا في عصرٍ أصفر..

أتحررُ من سيرة جدي العظمى،
ومن جدٍ آخر كالساحل،
وامرأةٍ من موجِ البحرِ
حملتني فوق حنايا القلبِ العاقرْ،
لم يُنجِبْ إلايَ
وكل صغار العائلة الكبرى
وصغار الحيِّ من الأصغرِ للأكبرْ

أتحرر من خوفي 
من صوتِ الرعد
ومن ذاكرتي المزدحمةِ، من فوضايَ وأحذيتي،
من عين طبيبي النفسيِّ
وأدويةٍ لم تُصرَف يوماً.. 
لم تُصرَف.

أتحرر من غضبي
منك وأشرعتي
من ليلٍ هادئ يمتحنُ الصبرَ
ونجمٍ أرعن يرقبني 
لا يُحدِثُ همساً أو يضجر..

أتحرر من خُطَبِ المنبر،
ومن كذبِ العشاقِ
بشهرِ العسلِ المرّ الأحمق
وفتات الخبزِ على مائدة الجوعِ الكافر
ومن شيخ التلفاز الباكي
ومن الغاضبِ
ومن الملحد
ومن الأجدب
أتحرر

الثلاثاء، 17 يونيو، 2014

ذاكَ قَدَرُكْ

في طريقكَ إلى الصحوِ
عرّج على نوم الأصدقاءْ،
واجمع ما شئت من أحلامهم..
هي سرقةٌ بيضاء مثل قلوبهم،
 ولن يفطنوا لغياب حلمٍ واحدٍ
هذا الصباح.

وعليكَ أن تنسى الحياةَ
لكي تعودَ إلى المنام..
وأن تجرِّبَ أحلامهم، 
واحداً واحدا
فلديكَ متسعٌ لتحلم
باتساع الحُلمِ المسروق من نوم الرفاق

وتعلَمُ كم أنتَ نذلٌ حين تسرق،
ورغم ذلك تسرق،
وكم أنت رجلٌ حين تسرقُ
 كي تنام
وكم أنت عربيٌ
لأنك حين تحلمُ تلتفت ذات اليمينِ 
وتلتفت ذات الشمال
وتظن أنك في المنام مُرَاقبٌ
كما في الصحوِ
أنت مُلام..

دعِ الأمر جانباً
وانظر لنفسكْ،
انظر لهذي الأرض
والسقف المرصَّعِ فوقك،
انظر إلى باب الكلام..
ماحاجتكَ للحلم وهذا الوطن حلم
والأرض ساخنةً تذكركَ بعطشكَ كلَ يومْ،
والروح حائرةً تهيءُ نفسها للموتِ دوماً
لأن الرب شاء..
والأرض،
 من وُلّوا عليها
جعلوكَ خوفاً يتنفسُ مرغماً
ويَسيرُ مسيّراً بخطيئةٍ كُبرى
ووَهْمٍ مُستدام، 

 هذي الحياة حقيرةٌ والموتُ أكبر
ماعاد من موتكَ بُدّ
الله أكبر
اُحفر بنفسك قبرك
واستعد،
أحدٌ سينفخ من وراءك
ثم تسقط.

ما أنتَ إن لم تنتمي
لاشيء!
 إنك آدميٌ 
عاصٍ وخطّاءٌ ومُفسِدْ

نوّر طريق الموتِ بالذكرى إذن
ومدَّ بداخلكْ
 العتمةَ الأولى لقلبكَ
والأخيرةْ
وافرش مداخلَك بحزنٍ فاخرٍ
واجلسْ وأمعِن في الجلوس،
تلكَ جلستُك الأخيرةْ..
أو "" قِفْ""!
حتماً ستشتاقُ الوقوف.

أنت..
من أنتَ حين خرجت من صبحِ الشبابِ إلى الكهولة
وشجبتَ حلمكَ مع رداءٍ لم يَعُد أبداً مقاسك
ياجفافكَ
يالعاركْ
أيها الإنسانُ تفشل
أنتَ تفشل أن تشيل الحلم زوادةً لغيابك
وفشلتَ أن تصبح ناسِكاً
وفشلتَ أن تصبح لحناً آدمياً بارعاً
وفشلت أن تفشل في الذريعة والكذبْ والحقيقة والمجاز
وفشلت أن تصنعَ حرباً مع عدوكَ
دون أن تصبح قبراً
وفشلت أن تصبحَ إنساناً شريفاً ليس يسرق حلمَ غيره
يالعاركَ كم فشلت
يالعاركَ
كيفَ تُدهس
باسمِ الأرضِ
باسمِ الزيتِ
باسم الدينِ
واسمِ الربِّ 
والأشياءِ

تُدهَسسسس..

يالعارِكَ

سوف تُقتَل،
 سوفَ يُسرَقُ حلمكْ

ذاكَ..

 قَدَرُكْ! 

.
.


الخميس، 29 مايو، 2014

وأظلُ أسمو




قد تكتب عني في التاريخ
بمرارتك وأكذايبك الملتوية،
قد تسحقني جيداً في التراب،
ولكن، 
كما الغبار،
 سأظل أنهضُ
 وأصعد

هل تزعجكَ وقاحتي؟
ولماذا تبدو هكذا مغموماً بالكآبة؟
هل لأنني أمشي وكأن لَديَّ آبار نفطٍ
تضخ في غرفة معيشتي؟

***

تماماً كالشموسِ والأقمار،
وبيقين المدِ والجزر،
تماماً
كما تقفزُ الآمالُ عالياً،
أنا أظل أصعدْ

هل أردتَ أن تراني مكسورةً،
رأسي مطأطئٌ وعيناي كسِيفتان،
وكتفايَ مثقلانِ ببكاءِ روحي،
 كدمعتينِ تسقطان.


ثم هل تزعجكَ عجرفتي؟
لاتأخذ الأمر بهذه الجديّة،
لأنني أضحك
 كما لو أن لديّ مناجم ذهبٍ
تُحفر
في حديقتي الخلفية.

بإمكانك أن تُرْدِيني بكلماتك
بإمكانك أن تمزقني بعينيك،
وقد تكون قتلتني ببغضك،
ولكني، تماماً كما الهواء،
سأظل أسمو وأصعد

ثم هل يغيضك هذا الاستعراض المثير؟
هل يبدو لك مفاجئِاً
أنني أرقص كما لو أن الألماس
 مرصعٌ في التقاءِ فخذيّ؟
***
خارج أكواخ عارِ التاريخِ
أنا أصعد،
من الماضي المتجذرِ في الألم
أصعد
أنا محيطٌ أسودُ يَثِبُ ويتسع
يتورمُ وينفجر
أتماسكُ في المد
وأترك خلفي ليالٍ من الرعبِ والخوفِ
وأصعد

نحو انبلاجة فجرٍ رائع الصفاء
أنا أصعد
محمّلة بكلِ هدايا أجدادي
أصعد
أنا الحلم والأمل لكل العبيد
أصعدُ
أصعدُ
أصعدْ

مايا آنجلو-

الأحد، 20 أبريل، 2014

1984 - نبوءة جورج أورويل تتحقق!



بدأت فكرة هذه التدوينة من رغبتي في التغريد في سلسلة قصيرة جداً عن تحفة جورج أورويل الشهيرة "ألف وتسعمائة و أربعة وثمانون"، ومَلَكة أورويل السياسية ونبوءته المتحققة التي لم تظهر فقط في هذه الرواية بل أيضاً في سابقتها "مزرعة الحيوان".

بعد قراءة الرواية لم أنفك عن عقد مقارنات عدة بين أوقيانيا الأخ الأكبر كما ظهرت في ١٩٨٤، وكوريا الشمالية العصر الحديث. كانت دهشتي كبيرة عندما بحثت قليلاً في قوقل واتضح لي أنني لستُ الأولى. ربما كان أول وأبرز من تناول قضية التشابه المرعبة بين رواية أورويل وواقع كوريا الشمالية هما الكاتبان البريطانيان، بيتر وكريستوفر هيتشنز.


يجدر بالذكر أن أورويل كتب روايته الشهيرة ١٩٨٤ في العام ١٩٤٨، في تجسيد تصوري دراماتيكي لمدى القباحة الذي قد تصل إليه الدولة الشمولية. الأمر الذي انقلبَ إلى مايشبه النبوءة لحال بعض الدول، وبالأخص وتحديداً كوريا الشمالية، حيث تطابق الرواية الواقع بصورة مفزعة ومثيرة للريبة!

تم إرساء قواعد الدولة الشمال كورية وإعلانها رسمياً في العام ١٩٤٨، وهي السنة التي كتبَ فيها أيضاً أورويل روايته الشهيرة!
هنا يتساءل كريستوفر هيتشنز ساخراً، هل من المعقول أن أحدهم كان قد سرب نسخة مترجمة من الرواية للقائد الكوري قبل نشرها وتم اعتماد فكرتها كمسودة خطة لنظام الدولة منذ ذلك الحين؟ الأمر بالفعل قد يبدو كذلك!

تتمحور ١٩٨٤ حول شخصية القائد "الأخ الأكبر"، حيث تسيطر هذه الشخصية على الناس والبلدة وتظهر في صور مؤطرة، وبوسترات تُعلَّق في كل مكان تحمل وجه الأخ الأكبر وعبارة "الأخ الأكبر يراقبك!". كما توجد شاشات في كل منزل قد يطل عليك منها وجه الأخ الأكبر في أي لحظة مخاطباً الشعب بأمور عامة أو خاصة.

في رواية أورويل/النبوءة، تختفي المشاعر والأحاسيس ويظهر الناس وكأنهم أجساد بائسة تتحرك وفق خطة معينة وهدف معين، وهو إرضاء الأخ الأكبر! كما أن الحب محرم، والزواج والإنجاب أمران مسيسان تماماً، أي أنك تنجب بهدف خدمة الأخ الأكبر والحزب. مشاعر الأفراد في ١٩٨٤ يتم توجيهها كليّةً لصالح الغضب العارم والمتفلت على عدو أوقيانيا والأخ الأكبر -يوراسيا، الأمر الذي تفعله كوريا الشمالية حرفياً مع عدوها الأكبر والمُعلن "أمريكا".

من الجدير بالاهتمام أيضاً غياب الدين في "١٩٨٤"، حيث لا يؤمن الناس سوى بالأخ الأكبر، وكأن أورويل أراد أن يخلق حالة من إحلال الدولة مكان الدين والوزارة مكان الكنيسة، حيث يمارس أفراد الحزب الخارجي شعائر الولاء والعبودية. أما الكنائس القديمة في لندن التي خلقها أورويل فتظهر في القصة كخرائب أو متاحف لصالح الدولة.


كما أننا في مونولوجات الشخصية الرئيسية  في الرواية، "وينستون" لا نرى أي ظهور لأي صراع داخلي حول الرب. بل إن كل صراعات هذه الشخصية تتمحور حول شخص الأخ الأكبر وكيفية تقنين هذه الأفكار والسيطرة عليها ومحاولة التحايل على عين الأخ الأكبر المتربصة كي لا يوقع وينستون نفسه في المشاكل.

 بالمقابل، في كوريا الشمالية، يختلف الأمر قليلاً، وبالرغم من كونها دولة "لادينية" رسمياً، إلا أن فكرة الدولة ذاتها تقوم على مفهوم ديني بحت، وهو غريب ومألوف في الوقت نفسه ويذكّر كثيراً بفكرة الثالوث في المسيحية، حيث يشغل (الراحل) القائد\المؤسس\الأب والجد كيم إيل سونق منصب الرئيس الأبدي للدولة (كآلهة)، ثم هناك (الراحل أيضاً) القائد\الابن والأب كيم جونق إيل، وأخيراً القائد\الابن\الحفيد كيم جنق أُون. وجميعهم يشار إليهم بـ "القائد العظيم" أو "القائد العزيز"، ويحملون مسميات مناصبهم بصورة أبدية حتى بعد وفاتهم! لكن في كلتا الحالتين، المتخيلة والواقعية، فإن التداخل بين دور الرب\الإله ودور الأخ الأكبر أو القائد ليس بالأمر الخفي، إذ يتبنى القائد صفات ربّانية بالكامل ويفترض على الشعب الإيمان الكامل بهذه القدرات اللابشرية.

في غياب الدين بصورة كبيرة عن شمال كوريا، حيث يُعتقد أن اعتناق الأديان فيه تحدي لشخص "القائد العزيز"، يحتفظ العامة أو هم مرغمون على الاحتفاظ بتماثيل للقائد، وفي حال حصول حادث أو حريق، يتوجب عليهم إنقاذ شخص القائد المتجسد في التماثيل أو الصور قبل أي شخص آخر! يذكر الأمر بقصة لتلميذة مدرسة قضت نحبها غرقاً في محاولة لانقاذ صور للقائد العظيم سقطت في النهر!

فيما بعد عندما ينكشف أمر خيانة وينستون في ١٩٨٤ أخيراً ليفاجأ بالأخ الأكبر يخاطبه من على شاشة مخفية في مخبأه مع حبيبته جوليا التي تنتمي لذات الحزب، سيلاقي الإثنان أشد صنوف العذاب في سجون النظام بما لايكفي وصفه هنا. في كوريا الشمالية يتم معاقبة "جرائم الفكر" بسجن المدعى عليه مع ماقد يصل إلى ثلاثة أجيال من عائلته ليتم إعادة تهيئتهم وتثقيفهم أو "تربيتهم" وقد لا يراهم أحد بعدها أبداً. 

أيضاً من أبرز وجوه الشبه المفزعة بين خيال أورويل وواقعية كوريا الشمالية، "وزارة الحقيقة". تظهر هذه الوزارة في رواية أورويل كبناء اسمنتي هرمي ضخم يرتفع ٣٠٠متر فوق سطح الأرض ويتألف من ٣٠٠٠ حجرة. وتعتبر وظيفة هذه الوزارة إعلامية، تثقيفية، تربوية، ومن أبرز أهدافها المرعبة، تغيير التاريخ، حيث يقوم الأفراد العاملين عليها من الطبقة الثانية في الدولة بتزييف الحقائق وإلقاء كل المعلومات القديمة التي لم تعد تناسب توجهات الدولة والأخ الأكبر إلى المحرقة. و هذا البناء يشابهه بصورة مرعبة فندق "ريوقيونق" وهو بناء هرمي من الاسمنت والزجاج  يعتبر الأعلى في كوريا الشمالية، وتم بناءه ابتداءً كفندق من ٣٠٠٠ حجرة من قبل جنود بنّائين غير مؤهلين، ثم تم تخفيض هذا العدد لعدد أقل ربما بسبب العجز المالي أو الفني. بقي هذا البناء المرعب ناتئاً وشاغراً وبشعاً يتكنفه الغموض لعقود، وكأنه تجسيد لشخصية القائد العزيز التي تراقب الكل من أعلى الهرم و أعلى نقطة في المدينة.






يشرح كريستوفر هيتشنز في محاضرة له، كيف أنه حين زار كوريا الشمالية وجد أن لا حياة خاصة للكوريين الشماليين. ليست هناك لحظة واحدة خاصة دون أن يكون أحدهم جزء من موكب عظيم يهتف للقائد العظيم، أو أن يكون تحت حظر التجول بعد الثامنة مساء. البرامج التلفزيونية لاتبث إلا ماله علاقة بالقائد العزيز\العظيم طوال وقت البث. الحياة كئيبة والناس بلا حياة، يرتدون ملابس بالية، وجوههم ناحلة.

أخيراً، تظهر فكرة تأليه وتقديس الأخ الأكبر والقائد العزيز، والإحساس بالإمتنان الصادق والعميق لهما لكل ما يناله المرأ من مأكل وملبس ومعاش حاضراً في الرواية والواقع كفرض على الأفراد، كذلك فإن الخوف والفزع صفتين ستحلان مثل لعنة على كل من تسول له نفسه الحياد عن هذا النظام! الغالب أن القارئ لابد وأن يستشعر الكآبة المنعكسة في ١٩٨٤ وستتبدى له في ذهنه بخيالات ورؤى قاتمة ورمادية هي الألوان الغالبة على أجواء وشخوص وأبنية أوقيانيا ١٩٨٤.

في المقابل، فإن المقاطع القليلة على الانترنت لكوريا الشمالية تُظهر العاصمة بيونق يانق شبه خالية من السكان، يتوسطها البناء الهرمي البشع، وقلة قليلة من سائحين وجلين يصورون من على الـ"ريوقيونق" المدينة الكئيبة وشوارعها الخالية وهم يلوحون للفراغ.

وكما تصوّر ١٩٨٤ الأفراد كقطيع لا يتمايز، يرتدي الرجال في الحزب العامل ذات الملابس، تتشابه الملامح، وقصات الشعر والحركات الآلية والغضب المفتعل على العدو، طلع القائد كيم جونق أون في شهر مارس الماضي بقائمة قصيرة من قصات الشعر المحددة المسموحة للشعب وبأمر خاص للتلاميذ بقص شعورهم على طريقته الغريبة، كما أن من يخالف هذه الأوامر سيلاقي عقوبة مشددة! الغريب في الأمر، أن أورويل نفسه يظهر في أكثر من صورة بقصة شعر مشابهة لقصة الزعيم الكوري الحالي كيم أون!!

في ١٩٨٤ يبدو مؤسفاً كيف يتعمد الحزب إخفاء وطمس كل مايتعلق بالماضي من أشياء جميلة، الذكريات، الآثار، الألعاب، وحتى تهويدات المهد، ويظهر وينستون في الرواية منفعلاً جداً لالتقاطه تهويدة قديمة من أحد العموم الكبار في السن أو لدى عثوره على متجر عتيق يحوي مقتنيات قد تنتمي للحقبة القديمة. أما عن أحوال الماضي فلاشيء مؤكد! كل ما هناك جرى تشويهه ولم يعد بإمكان ونستون إلا أن يتمسك بأشياء لامعنى لها كقطعة مرجان صغيرة يظن أنها تعود لزمن ماقبل الحزب.

 هذا القمع لحرية الأفراد والمسخ المتعمد والتشويه المجتمعي كان من أبرز سمات أوقيانية أورويل كما أنها ليست بالغريبة تماماً في واقع اليوم في كوريا الشمالية أو غيرها. هكذا إذن تحققت نبوءة جورج أورويل المرعبة من حيث لم يُرِد، وربما لازالت تتحقق بصورة أقل جلاءً في أنظمة أقل شمولية.





السبت، 19 أبريل، 2014

يجيئكَ من مطلع الوطن الموت

نزيه أبو عفش


يجيئُك من مطلعِ الوطنِ الموت،
لا..
اسمحيلي إذن بالحديث عن الزهر
يأتيكَ من يقفلُ الشرفات على الزهر
لا ..
اسمحيلي إذن بقليلٍ من الماء والقهوةِ الساخنة
واتركي لي صليبي
أحصن به جسدي قبل أن تُعلَن اللحظة الماجنة..
إنني عاشقٌ وحزين
سأعترفُ الآن
لاتغلقي الباب
يحسنُ أن تدخلَ الشمسُ منزلنا
وتجيء الطيورُ لتطعم من قمحنا ثم تمضي
يحسن الآن أن نتغنى
ولكنني عاشقُ وحزين.
إذن كيف تبدأ،
إنني أحاول أن أستدير إلى مصدر الحزن
أحصي على عجلٍ جسدي وأميز أشلاءه!
كان (واضحُ) يسكن مستغرقاً في نشيدي
ثم هاهو ذا الآن يسبح مكتئباً في دمائي
كانت الشرفات الوديعة
تصحوا مجللة بالزنابق والغيث
لكنها اليوم تخلع أزهارها الواجماتِ وتأوي إلى النهر
كانت حفافي البساتين تلتم مذعورة والمساكن تهبط
فهد الفقير يمد عباءته في العراء ويبكي
حسيبُ المقاولُ يحصي غلايينه
الأمهات يعاتبن خالقهن ويبكين
والشهداء يمدون أذرعهم صوب مائدة الفصح
مكتئبين
وصوت العصافير..
لا..
افتحي الباب كي تدخل الشمس
من زمنٍ وأن قانط
أتبدد مابين حزني وخوفي عليكِ
أبدد جسمي على ورق اليانصيبِ،
وأبكي..

على الوطنِ الآن أن يتملى جرائمه في دمي أو نشيجي
على الوطن الطيب الآن أن يتحقق من جسدي..
إنه جسدي،
وأنا قانطٌ يا بلادي
افتحي البابَ،
لا تدخلي إخوتي
فأنا أنشج الآن
يا أيها القَتَلة،
إنني أبدأ الآن مرثيتي فاسمعوني
لقد جعتُ
هاجمني في عتابي إلى الله جيش
دُفِعتُ إلى ميتةٍ صعبة
وقُتِلتُ مراراً
ولكنني لم أذق وطني
كنتُ أشتاقه في غنائي
ولكنني كنتُ أخشاه إذ يتمايز
مابين صحن الحساء الفقيرِ وخابيةِ الماء
مابين أعيانه وصليبي.

تقبلُ الآن شمسٌ،
دعوني إذن أتدفأ
حزين أنا أيها الوطن الصعب
مستوحشٌ وحزين،
أردّ إلى أصله جسدي،
فأرى أمما لا تعدُّ، تقومُ معي كي ترد إلى أصلها،
أستعيدُ نشيجي،
فتشرق في وجعي أمم وتبوح بأوجاعها،
أستديرُفتمشي على جثتي البشريةُ جمعاء..
أبكي،
 فيبكي معي الله.

تتسعُ الشمس،
من هاهنا أبدأ الآن،
يا أيها القتلة،
جاءكم أمس من يطلب الخبز،
أعطيتموهُ منيته،
وضننتم عليه بأكفانِهِ..
جاءكم واضحُ، القرويّ الحزين
يقايضكم بشعيرٍ على دمه
ثم جاء حسيبُ المقاول
فانهمرَ الوطن الصعب من حولي
وتدلت إلى راسهِ سلةُ الرب..
قال له الربُّ، خذ!
ثم قال له الرب "كل"
ثم قال له الربُّ "تنسى"
ولكنني شاهدٌ وأذكر.
هاهي ذي الأمم، الجثثُ، الأغنياتِ، الدماءُ، الحروب، المجاعات
فاستنطقوها،
ها نساءٌ يبكين،
وها وطنٌ لم يسع أهله قبل أن يقعَ الموت
فاستنطقوه.
ثم ها أنذا يتمايزُ لي وجهه في الحساء الفقير
ولكنني قانط وبريء
وبددني وطني..

تجيئك من مطلع الوطن الشمس،
لكن جسمي بديد
ولم يبقَ لي ما أُغنيه،
لم يبقَ في جسدي ما يُغنّى..
لماذا يبددنا هكذه الحزنُ
أيُّ صفصافة سكنتنا معاً يا بلادي
وفي أينا كل هذي الخلائقُ تبكي
دمي أم ترابك
قلبي أم الوطن المستحيل
تعبتُ على مهل
غير أن العصافير ما فتأت تستديرُ إليّ،
مسربلةً بالأناشيد والشمس
ثم تغيبها الريحُ والسحب الداكنة،
تقتفي أثر الماء والسحب مدفوعةً بالأناشيد.
ثم يعاودها الخوف
لكنها ما تزال تغيب وتظهر
ثم تغيب وتظهر
ثم تغيب ولا ..
ثم تدرك أجسادها الطلقةُ الماجنة.
وحسيب المقاول يحصي غلايينه وبلادي..
النساء يعاتبهن خالقهنَ:
كفى..

يتمايز من مطلع الوطن الموت
متشحاً بالرياحين.. والقمح، والحلل الفاتنة
وأنا قانطٌ قانطٌ قانط
فاسمحيلي إذن بقليلٍ من الماء والقهوةٍ الساخنة.

صدقيني تعبت..
تجاورتِ النارٌ في جسدي والمياه
اكتوت تحت جلدي الشعوب،
وبللني دمها،
صدقيني تعبتُ إلى آخري يا بلاددي..
أمِن أجل هذا تقيمينَ عرشكِ في داخلي؟
وتنامينَ محفوفة بالنعاس الوديع؟
تمدين من جلد قلبي بساطاً وتخطين من فوقه،
أي نارٍ تجللني..
أي ماء حزين يحف بأنحاء جسمي،
أي مجدٍ مريب
تؤؤب إليه الطيور الضليلة مشتاقةً،
ثم يدركها الموت
من قبل أن يتماثل فيها النشيد إلى لحظة الشمس..
يا للبلاد الجميلة،
كيف استتبَ لأطيارها الموت،
كيف انسَلَلْتُ بقلبي إلى دمها،
واعتمدتُ نشيدَ الذبيحة،
يا للبلاد الجميلة!
تخطوا على جلد قلبي
محاذرةً أن تمس بساتينه،
وتعيق حفيف السنابل فيه
تميلُ على ورقِ الزيزفون
وتنهاه عن حسنه
تتداخلُ في ماء قلبي
وينشرني حسنُها المتجدد..
ياللبلاد الحزينة!
كم تظهر الآن عاصيةً وتعذب.
كم يتشابه في أرضها الماء والدمع
كم هي فاتكةُ ورجيمة
يالها، إذ تمد على دم أطيارها المتوهج سجادها العجميّ
وتخطو،
تحفّ بموكبها المترهل حاشيةُ العنكبوتِ
وطائفةُ الذبح
تفتح جسم عصافيرها بالمسامير والنار
يختلج القمح فيها وتذبل أعناقه،
إنه الدم
يهبط.. يهبط.. يهبط..
يغتسل الحجر المتوحش بالدم، بالدم، بالدم..
يا للبلادِ الجميلة!
كم هي فاتكةٌ وتعذّب،
كم يتشابكُ في أرضها الماء والدم،
تتمدد حمراءَ شاسعة ثم تسقط
حمراء مشعلة من جميع الجهات
آه، ياللبلاد الذميمة،
كيف تنتشر الآنَ حمراء، حمراء
يختلطُ الوحلُ فيها بريش العصافير
يختلط الدم فيها بأذرعة القمح
يختلط الصمتُ فيها،
بمئذنة الله!
يا للبلاد المشعّة!
كيف أميزها عن دمي
كيف أخرجها من دمي
كيف أدخلها وأنا بعد ممتلئٌ بحرائقها
والمسامير
ممتلئ برماد العصافير
ممتلئ بخطى قدميها المثابرتين
على لحم قلبي
إذا لم تكن ما تدفئك الشمس،
لم تكن الشمس،
كنت أدفئ جسمي إذن بحريقي
ولم تكن الشمس//
أرجوكِ،
 لا تفتحي البابَ مابين قلبي وبين بلادي
هي الظلمة الآن
كم تتبدى لعينيَ مؤنسةً
وأنا لستُ بردان
لكنها لحظة الوله الفاتنة
تتراءى لقلبي وتعبره
وأنا لست مستوحشاً
وأنا لست بردان
لكنني عاشق وأذوب انعتاقاً ومغفرة
فاتركي لي صليبي
أحصن به جسدي قبل أن تُعلَنَ اللحظة الماجنة،
واسمحيلي بشيء من الماءِ
 والقهوة الساخنة.

الاثنين، 10 فبراير، 2014

اسمهُ "وقت"; اسمي "لايكفي"



صباح الإجازة المرضية والهاتف المغلق تفادياً لمضايقات العمل المتوقعة، أقاوم الدوارَ بإفطارٍ سريع وكوبٍ من القهوة الساخنة. أحاول أن أتحين ساعةً في صباحي أرضي فيها هذا الإرهاق المزمن وغيمة الكآبة التي تعبرني منذ الأسبوع الماضي دونَ أن تعبر تماماً. 

أحاول أن أستعيد هواياتي التي قتلها روتين العمل والارتباطات الاجتماعية. أحاول أن أستعيدني، غير أنه من الواضح أن عودتي تتطلب أكثر بكثيرٍ من صباح واحد.

أجرب أن أصنع من الوقت مادة مطاطية قابلة للتشكل والمدِّ والمط، فالوقت مؤخراً يركض سريعاً جداً، و لست أفهم كيف كبرتُ هكذا و كيف يبدو الماضي بعيداً بهذا القدر وكأنما قروناً مرت على طفولتي. في الوقت نفسه أنا اليوم أكبر سريعاً جداً وبصورةٍ مريعة!

 أزعم أن الوقت في حياتنا كائنين مختلفين، أخوين. أحدهما سيكون حاضراً في المشهد منذ ولادتك وحتى العشرين، متأنٍ وذو لحية كثة بيضاء ووجه حكيم، سأسميه "زمن".
  والآخر سيتولى المهمة بعد ذلك وحتى آخر زفرة لك. اسمه "وقت"  وله القدرة على جعل أيامك متقاربة، دون أن يجنبك لحظات الملل، ودون أن يوفر عليك دهشةً حزينة ستعبر وجهك كل عام وتساؤلٍ كـ: تُراني كيف كبرتُ عاماً بين مايشبه يوماً وليلة! شكلهُ أقرب أن يكون شبحاً برداءٍ أسود ووجه جمجمي يحمل منجلاً بيده ويحصد الأيام والساعات والدقائق والثواني والرؤوس وكل ماقد يصادفه في طريقه.. إيخ!


المهم أن كل شيءٍ يركض، الصباح يركضُ أيضاً وإن كان بصورةٍ أكثر لطافة. أفكر سريعاً و بتوتر فيما لو أن الوقت سيسمح ببعض الأعمال المعلقة، قراءة أبحاث متعلقة بمجال عملي ودراستي مثلاً، ومن ثم الشروع في كتابة عرض فكرة البحث لمراسلة جامعات أجنبية، الأمر الذي تأجل كثيراً بينما لا يستغرق فعلياً أكثر من مدة شهرٍ واحد وأحاول أنا عمله منذ أكثر من تسعة أشهر. مدة كافية لحمل وولادة طفل!
هناك أيضاً تجهيز نواقص المطبخ الجديد، ملاحقة مواقع البيع المتأخرة، الواجبات المنزلية والغير منزلية، وغيره من الأمور التي تنتهي ولا تنتهي. الأمر الذي يشبه علبة مناديل ضخمة لا ينفذ مخزونها أبداً، ضِف على كل ذلك الدوار الذي يرافقني مؤخراً.

منذ فترة ليست بالقصيرة اقترحت علي إحدى صديقاتي التحول للكتب المسموعة، بدأت وسرعان ماتوقفت لاسباب عدة من ضمنها عدم حصولي على تطبيقات جيدة  في وقتها، ولكسلي وانشغالي أيضاً. ثم جاءت تدوينة الرائعة هيفا لتشجعني على خوض التجربة مجدداً ومع آنا كارنينا هذه المرة. البداية مشجعة جداً وسأستمر بمشيئة الله، لولا أنني في مرات عديدة أمر بطَور الـ (أسمع ولا أسمع) طبعاً السبب معروف، هناك ساعة مجنونة لا تكف تكاتها في رأسي، هناك تروس معدنية، وحركات غير مدروسة، وأقزام يعملون..

بمناسبة الحديث عن الكتب المسموعة، بعد تخرجي من الجامعة بفترة، جاءني عرض عمل غريب من إحدى الجهات التي كانت بحاجة إلى مترجمة. بعد فترة وجيزة من المقابلة والكثير من الأحداث غير المهنية من قبل الجهة ذاتها، اتصلت علي مديرة الشركة لتعرض علي عمل من نوع آخر، قالت بصورة مستفزة ومستجدية في الوقت نفسه شخص "واصل" ومشهور و ... من داعمينا وكثير السفر ويرغب بقارئة لكتبه حيث أن وقته لا يسمح له بالقراءة، فما رأيك لو تقومين بقراءة الكتب باللغة الانجليزية وتسجيلها لهذا الشخص فقط ليكون صوتك رفيق سفره. ههههه كان هذا أغرب وأعجب عرض وظيفي مر علي ولسببٍ ما شعرتُ بالإهانة! وبالطبع جاء الرفض مباشراً: المعذرة، لا أقرأ لمستمع واحد!


أكره الصيف، وقلما أنجز فيه، (هذا لا يعني بالضرورة أنني أنجز في سواه!) ولأن تقلبات الطقس والأجواء الخانقة هذه الأيام تشبه سعال مريضٍ سيتعافى قريباً من نوبة برد، أعلم أن الصيف سيأتي باكراً. أكره الصيف و أكره هذا التحول المريع من برودة الشتويات وانتعاشها إلى دبق الصيف. أكره اصفرار النافذة  وموجات الغبار، أكره صوت المكيفات المستيقظ من سبات شتويٍ قصير. لا أحبه! غير أني سأحاول أن أتصالح معه هذه المرة، سأحاول أن أفكر وأعمل وأكتب وأتفاءل.

 أرغب كثيراً في كسب صداقات جديدة، لذا سأعد كل من سيمر بهذه المدونة أو التدوينة صديقاً وإن لم يترك أثراً، وسأحب أصدقائي هنا دون شرط :)

يومكم جميل.

الجمعة، 20 ديسمبر، 2013

مرحباً

تلكَ يدٌ أمدُّها لغريبٍ عابر.
مرحباً،
بابتسامةٍ أو بوجهٍ عابس،
بحماسةٍ أو بحزن.
لنادلٍ متكلفٍ، أو حانقٍ كـ طِنجرة
مرحباً.. للجهدِ المكّلِفِ، 
والابتسامات المفوْترَة.

مرحباً؟ 

كفَّ عينك عني يا هذا!
أنا العابرةُ كغيمة
الخفيفةُ كـ يدِ ساحر،
الثقيلةُ كذكرى.
سأعبرُ عبوراً خفيفاً،
وألمسك طفيفا، 
وغالباً.. سـأرحل.

ابتسم لي وامضِ
ولا تسَل عن اسمي،
ولا تنظر خلفكَ أبداً.
وجهيَ المنذور للأمام يُشيح 
قلبي ورقةٌ في مهبِّ الوداعِ، 
فأهلاً!

يومَ كنتَ غريباً على دولابٍ متحرك،
قدماكَ عكازتانِ ركنتهما جانباً
منذورتانِ للراحةِ والرحمة،
يوم كنتَ غريباً،
لم تكن غريباً تماماً!
نظرتَ في قلبي وابتسمت
وهل كان حينها أكثر حزناً  من ذلك القوس؟

ذاك الغريب 
عيناهُ قريبتان من قلبي
وجههُ ناصعُ الحزنِ
وشفتاهُ مدينتان،
وكانَ الحزنُ عندها ابتسامة،
وكانَ قوسَ (حزَن).

ولم نقُلها يوماً
تلكَ المرحباً كانت تطيرُ من قلبه كفراشة
وأنا، كنتُ زهرة لم تتفح.
أنا الـ(مرحباً) التي لم تخرج من فم أحدهِم حتى الآن.
لفظني رحمُ أمي وتتالت صرختان.
استقبَلني حضنٌ ما بأذان.
ولم أقل مرحباً حتى كبُرت
وعرفتُ أن الغرباءَ قد يكونون جيدين
لولا شيءٌ من كبرياءٍ
وشيطانٍ مريد.

مرحباً!
سيقولها شيطاني كلما هممتُ بحبك.
مرحباً، لوداعٍ لايحصل  بصورةٍ وديةٍ أبداً!
هل كان ينبغي أن نهرقَ نصف دماء العالم لنقول وداعاً تليق؟
هل على مقصلة النذور كنت سأشنقُ ألف ألف (مرحباً)، أنحرها، أو أخنق حرفين بها،
أو أيَ شيء دمويٍ، مجزريٍ، كارثيٍّ.. أيَّ شيء،
كي نلوّح بابتسامة بلهاء جداً دون أن نقولها مجدداً:

مرحباً!


لخريفِ الحبْ،

لشتاءِ الأيام القاسية.
أطفالُ الحربِ دونما غطاء،
لباسُهم ربيعٌ مهترئ،
أقربهم من الأرضِ للسماء! 

مرحباً، 
للأزرقِ الباردِ على نافذة الشتاء
ولرائحة المطر المتنكر في زيّ غيمة.
مرحباً للحياة الرتيبةِ والحزينةِ والسعيدةِ والرتيبة،
وللنشرة الحمراءِ مرحباً،
وللخبرِ الأسودِ على التلفاز،
ولغدر الأصدقاء،
ولأطفال الثلج دونما رداء.

مرحباً 
للورديّ والأزرقْ، 
وللبنيِ العتييييق
ولعينينِ تذبلانِ
تذبلان،
ولوردةٍ دمشقيةٍ تذوي تحت سماء حزيران..

وللحربِ مرحباً رغمَ أنفِ السلام

وللسلام تعاويذُ وأذكار مساء كل ليلة،
وللأغاني التي ماعادت تُسمَعُ دندناتنا في الصدى 
والسلام..
باسمكَ اللهم وضعتُ سلامي وباسمكَ ارفعه،
باسمك ياربّ ارفعه،
لا مكانَ له بين قاطني الحرب
وحاصديّ الموت،
وشياطين الفراق،
وسفراء الشيطان.

وياصانع البندقيةِ، مرحباً! 

ويا مُخترعي القنبلة الذرية،
والأسلحة النووية،
والغازات السامة،
مرحباً مرحباً بشعةً تليق بكم،
وبكل هذا الدمار.

ومرحباً، للدمى المتجمدة،
وعلى الضمائر الميتة،
وللحدِ المهيئِ سلفاً
والانتظار.

ومرحباً أيتها المرحباً المتسعة جداً لأوجاعنا وآمالنا
 وللحربِ،
والقتلةِ،
والقتلى،
 والسلام.


...

الأحد، 7 يوليو، 2013

جدي العزيز،،

لستُ بارعةً كثيراً في كتابة الرسائل، ولكني أحاول الآن لأن صوتي مخنوقٌ ياجدي، مخنوقٌ ولا يصل.
 أبعثُ لكَ دوماً برسائل خاصة جداً أهمس بها لله في صلواتي لكني لا أعلم إن كان من المسموح أن تصلك رسائلي حيث أنت هناك. أنا أصلاً لستُ واثقة من أي شيء ولذا تتكورُ هذه الغصة في حلقي وتتركز ولذا أنا أظن تكراراً بأن كل ماحدث هو مجرد كابوس يعيدُ نفسه في رأسي كل ساعة أتذكرك بها! لستُ واثقةً من أي شيء، ولكني واثقة أنني أحبك كثيراً و أشتاق إليك أكثر.

سأقول لك من الجيد أنك رحلت، لأن العالم بات رديئاً يا جدي بصورة لا تُحتمَل. غيرَ أنني سأفكر حقاً أنه ليس من الجيد أبداً أنك رحلت. ولم يكن ليعنيني تهالك هذا العالم بهذا القدر لو لم ترحل.
لا أظن أن من العدل أن أتذمر لرحيلك هكذا ولكنكَ كنتَ جداً جميلاً و شاباً ووسيماً جداً، وكنتُ حفيدةً مغرورة بجدها الراسخ في نفسها كَـمُسلّمَة،  وكنتَ الجدَّ الذي تبقى لي، على قيد الحياة والفرح. الجد الذي أحببت.

وسأدرك الآن كم كبرتُ يومَ رحلت، وكم من الفرحِ فقدت.  فأن يكون لك جدّ يعني أن تبقى طفلاً للأبد. يعني أن تحتفي بقبلاتك على اليد القوية ذات التجاعيد الخفيفة، أن تستمتع بتلك اليد وهي تضغط على رأسك مداعبة، يعني أن ترقص على  أنغام موسيقى إلهية وأنت تسمع حكاية أو حواراً عادياً من فم جدك. أن يكونَ لك جدٌّ يعني أن تكون محظوظاً إلى حدٍ بعيدٍ دون أن تدرك ذلك تماماً، حتى تفقد ورقة الحظّ تلكَ إلى الأبد.

ماكانت المكالمات الهاتفية تغني عن رؤياك جدّي، فهل تسامحني على غبائي في السؤال عنك؟ ماكنتُ أعرف أنك سترحل، وسيجيء رحيلك درامياً جدّو. درامياً جداً كأن يأتي مباغتاً مابينَ فرحين!

سأخبرك،

كان من الحماقة أن أواجه موتَك بكل ذاك الضعف ولكني تهالكت بالرغم من أنني تسلحتُ بكل إيمانياتي لأجلك، قابلتُ الموت راضخة، صافحتهُ مُرغَمة، جثوتُ أمامه واحتضنتك، قبلتُ رأسك النائم وهمستُ بأذنك شيئاً ما. فعلتُ كل ذلك، غير أن لاشيء كان سيدفعُ عني كل هذا الحنين الآن. لا شيئ أبداً.

وسأذكرُ تماماً كيف أنني هربتُ يومها من وجه أبي لأنني لم أنسَ يوماً تلكَ الدمعة التي لم يرَها أحدٌ على خدكَ غيري. دمعة صغيرة كتلك، قتلتني على مدى ثلاثة عشرَ عاماً ولم أستطع نسيانها حتى اليوم. أنا لم أُرِد أن أُقتلَ مجدداً إذا رأيتُ دمعَ أبي، ولذا خبأتُ نفسي جيداً،
أو هكذا ظننت. 

جدي،
 أنا أحبكَ كثيراً، فهل يخبرُكَ الله كم أفعل؟ وكم أشتاق إليك؟ وكم أستعجلُ يوماً نكون فيه جميعنا معاً فرحين فرحاً أبدياً لا حزنَ بعده. سامحني جدّي وتجاهل هذا القدر من الحزن في رسالتي كي لا أحزنك، و اعلم فقط كم أحبك كثيراً وأشتاق إليك..


 هذه المرة سأكون واثقة بأن هذه رسالة طيبة سيتولى الله أمر أن تصل كما أحب.




الخميس، 11 أبريل، 2013

سفر




يا عابِري،

زمنٌ بعد زمن ونحن ننشغلُ بنا 
نتسلى بتفاحةِ النسيان
وندّعي ألا ذاكرةَ سوداءَ تجمعُنا،
تفرقُنا،
وتلّم شتاتَ شيءٍ ما 
سأسميه اليومَ،
 "بؤسنَا"

ياعابِري،
وجع بعد وجع يعتصرُ خاصرةَ الوقتْ
يستبدُ كحاكمٍ بيَدِ عصا عمياء
الحواس لا تبصر
إنها تعي
 أن لا وطنَ بلا قلب،
ولا ذاكرة،
ولا ضغينة!

أتعلم؟
 الحبُّ أعمى
الضغينةُ عمياء ياصديقي أيضاً.
أوَلسنا جميعنا كذلك!


ثم إنني أصلاً ماعُدتُ أنا
بيني وبيني اثنتان
وشياطين عديدة
تؤدي طقوسا لكل واحدةٍ مِني على حدة 
وتشعل النارَ حولنا،
انا وقلبي واثنتاي
ترفعنا
وتلعن أزيز الظلام.
وهذه الدروب المقفرة
ليلها حالك
انظر في عينيك 
أراها
أراك
أراها.. أرانا
أراك

وأنا في هذا الليل الممتد أعبرُ السفرَ راكبةً خلفية
وتعبرني أنت راكباً علوي
فضاء المسافات الطويلة حالكٌ كأقدارنا   
نعبر هذا الليل
ويعبرنا ..
 معاً 
 كل هذه الطرقات ولا نلتقي! 
هل حقاً كرويةٌ هي الارض؟

ياعابري،
أكتب كي لا ينثني الليلُ
وتنحني الشمسُ و سلة حصادنا فارغة.
أكتبُ كيما أؤثثَ هذا البياض وذاك السواد 
بسُمرةٍ وقمحٍ وشيءٍ من ماء.
لك السنابلُ ياعابري ولي خصَبُ الترابْ.
لك الحقلُ ولي نِثار الحمام وريشِ الغربانِ الساقطِ  كأثرِ نميمةٍ عابرة.
لك السلامُ ولي كل هذ العراك، وضجيج الناقمين وسذاجة الاوفياء.
لك النهار و لي هذه الظلمة المرصّعة،
هذا التراشق الخفيّ.
لك سُمرتي ولي البريق الشقي في عينَيّ فلاحةٍ عاشقة.. 
لك طفولتي ولي ظِلُّ جدي قبل أن يسكت صوته للأبد.

ولنا معاً هذا الفراق
هذا الفراق
هذا الفراق


لنا كل هذا العبور
ولنا الله