السبت، 19 أبريل، 2014

يجيئكَ من مطلع الوطن الموت

نزيه أبو عفش


يجيئُك من مطلعِ الوطنِ الموت،
لا..
اسمحيلي إذن بالحديث عن الزهر
يأتيكَ من يقفلُ الشرفات على الزهر
لا ..
اسمحيلي إذن بقليلٍ من الماء والقهوةِ الساخنة
واتركي لي صليبي
أحصن به جسدي قبل أن تُعلَن اللحظة الماجنة..
إنني عاشقٌ وحزين
سأعترفُ الآن
لاتغلقي الباب
يحسنُ أن تدخلَ الشمسُ منزلنا
وتجيء الطيورُ لتطعم من قمحنا ثم تمضي
يحسن الآن أن نتغنى
ولكنني عاشقُ وحزين.
إذن كيف تبدأ،
إنني أحاول أن أستدير إلى مصدر الحزن
أحصي على عجلٍ جسدي وأميز أشلاءه!
كان (واضحُ) يسكن مستغرقاً في نشيدي
ثم هاهو ذا الآن يسبح مكتئباً في دمائي
كانت الشرفات الوديعة
تصحوا مجللة بالزنابق والغيث
لكنها اليوم تخلع أزهارها الواجماتِ وتأوي إلى النهر
كانت حفافي البساتين تلتم مذعورة والمساكن تهبط
فهد الفقير يمد عباءته في العراء ويبكي
حسيبُ المقاولُ يحصي غلايينه
الأمهات يعاتبن خالقهن ويبكين
والشهداء يمدون أذرعهم صوب مائدة الفصح
مكتئبين
وصوت العصافير..
لا..
افتحي الباب كي تدخل الشمس
من زمنٍ وأن قانط
أتبدد مابين حزني وخوفي عليكِ
أبدد جسمي على ورق اليانصيبِ،
وأبكي..

على الوطنِ الآن أن يتملى جرائمه في دمي أو نشيجي
على الوطن الطيب الآن أن يتحقق من جسدي..
إنه جسدي،
وأنا قانطٌ يا بلادي
افتحي البابَ،
لا تدخلي إخوتي
فأنا أنشج الآن
يا أيها القَتَلة،
إنني أبدأ الآن مرثيتي فاسمعوني
لقد جعتُ
هاجمني في عتابي إلى الله جيش
دُفِعتُ إلى ميتةٍ صعبة
وقُتِلتُ مراراً
ولكنني لم أذق وطني
كنتُ أشتاقه في غنائي
ولكنني كنتُ أخشاه إذ يتمايز
مابين صحن الحساء الفقيرِ وخابيةِ الماء
مابين أعيانه وصليبي.

تقبلُ الآن شمسٌ،
دعوني إذن أتدفأ
حزين أنا أيها الوطن الصعب
مستوحشٌ وحزين،
أردّ إلى أصله جسدي،
فأرى أمما لا تعدُّ، تقومُ معي كي ترد إلى أصلها،
أستعيدُ نشيجي،
فتشرق في وجعي أمم وتبوح بأوجاعها،
أستديرُفتمشي على جثتي البشريةُ جمعاء..
أبكي،
 فيبكي معي الله.

تتسعُ الشمس،
من هاهنا أبدأ الآن،
يا أيها القتلة،
جاءكم أمس من يطلب الخبز،
أعطيتموهُ منيته،
وضننتم عليه بأكفانِهِ..
جاءكم واضحُ، القرويّ الحزين
يقايضكم بشعيرٍ على دمه
ثم جاء حسيبُ المقاول
فانهمرَ الوطن الصعب من حولي
وتدلت إلى راسهِ سلةُ الرب..
قال له الربُّ، خذ!
ثم قال له الرب "كل"
ثم قال له الربُّ "تنسى"
ولكنني شاهدٌ وأذكر.
هاهي ذي الأمم، الجثثُ، الأغنياتِ، الدماءُ، الحروب، المجاعات
فاستنطقوها،
ها نساءٌ يبكين،
وها وطنٌ لم يسع أهله قبل أن يقعَ الموت
فاستنطقوه.
ثم ها أنذا يتمايزُ لي وجهه في الحساء الفقير
ولكنني قانط وبريء
وبددني وطني..

تجيئك من مطلع الوطن الشمس،
لكن جسمي بديد
ولم يبقَ لي ما أُغنيه،
لم يبقَ في جسدي ما يُغنّى..
لماذا يبددنا هكذه الحزنُ
أيُّ صفصافة سكنتنا معاً يا بلادي
وفي أينا كل هذي الخلائقُ تبكي
دمي أم ترابك
قلبي أم الوطن المستحيل
تعبتُ على مهل
غير أن العصافير ما فتأت تستديرُ إليّ،
مسربلةً بالأناشيد والشمس
ثم تغيبها الريحُ والسحب الداكنة،
تقتفي أثر الماء والسحب مدفوعةً بالأناشيد.
ثم يعاودها الخوف
لكنها ما تزال تغيب وتظهر
ثم تغيب وتظهر
ثم تغيب ولا ..
ثم تدرك أجسادها الطلقةُ الماجنة.
وحسيب المقاول يحصي غلايينه وبلادي..
النساء يعاتبهن خالقهنَ:
كفى..

يتمايز من مطلع الوطن الموت
متشحاً بالرياحين.. والقمح، والحلل الفاتنة
وأنا قانطٌ قانطٌ قانط
فاسمحيلي إذن بقليلٍ من الماء والقهوةٍ الساخنة.

صدقيني تعبت..
تجاورتِ النارٌ في جسدي والمياه
اكتوت تحت جلدي الشعوب،
وبللني دمها،
صدقيني تعبتُ إلى آخري يا بلاددي..
أمِن أجل هذا تقيمينَ عرشكِ في داخلي؟
وتنامينَ محفوفة بالنعاس الوديع؟
تمدين من جلد قلبي بساطاً وتخطين من فوقه،
أي نارٍ تجللني..
أي ماء حزين يحف بأنحاء جسمي،
أي مجدٍ مريب
تؤؤب إليه الطيور الضليلة مشتاقةً،
ثم يدركها الموت
من قبل أن يتماثل فيها النشيد إلى لحظة الشمس..
يا للبلاد الجميلة،
كيف استتبَ لأطيارها الموت،
كيف انسَلَلْتُ بقلبي إلى دمها،
واعتمدتُ نشيدَ الذبيحة،
يا للبلاد الجميلة!
تخطوا على جلد قلبي
محاذرةً أن تمس بساتينه،
وتعيق حفيف السنابل فيه
تميلُ على ورقِ الزيزفون
وتنهاه عن حسنه
تتداخلُ في ماء قلبي
وينشرني حسنُها المتجدد..
ياللبلاد الحزينة!
كم تظهر الآن عاصيةً وتعذب.
كم يتشابه في أرضها الماء والدمع
كم هي فاتكةُ ورجيمة
يالها، إذ تمد على دم أطيارها المتوهج سجادها العجميّ
وتخطو،
تحفّ بموكبها المترهل حاشيةُ العنكبوتِ
وطائفةُ الذبح
تفتح جسم عصافيرها بالمسامير والنار
يختلج القمح فيها وتذبل أعناقه،
إنه الدم
يهبط.. يهبط.. يهبط..
يغتسل الحجر المتوحش بالدم، بالدم، بالدم..
يا للبلادِ الجميلة!
كم هي فاتكةٌ وتعذّب،
كم يتشابكُ في أرضها الماء والدم،
تتمدد حمراءَ شاسعة ثم تسقط
حمراء مشعلة من جميع الجهات
آه، ياللبلاد الذميمة،
كيف تنتشر الآنَ حمراء، حمراء
يختلطُ الوحلُ فيها بريش العصافير
يختلط الدم فيها بأذرعة القمح
يختلط الصمتُ فيها،
بمئذنة الله!
يا للبلاد المشعّة!
كيف أميزها عن دمي
كيف أخرجها من دمي
كيف أدخلها وأنا بعد ممتلئٌ بحرائقها
والمسامير
ممتلئ برماد العصافير
ممتلئ بخطى قدميها المثابرتين
على لحم قلبي
إذا لم تكن ما تدفئك الشمس،
لم تكن الشمس،
كنت أدفئ جسمي إذن بحريقي
ولم تكن الشمس//
أرجوكِ،
 لا تفتحي البابَ مابين قلبي وبين بلادي
هي الظلمة الآن
كم تتبدى لعينيَ مؤنسةً
وأنا لستُ بردان
لكنها لحظة الوله الفاتنة
تتراءى لقلبي وتعبره
وأنا لست مستوحشاً
وأنا لست بردان
لكنني عاشق وأذوب انعتاقاً ومغفرة
فاتركي لي صليبي
أحصن به جسدي قبل أن تُعلَنَ اللحظة الماجنة،
واسمحيلي بشيء من الماءِ
 والقهوة الساخنة.

ليست هناك تعليقات: