هكذا وجدتني فجأة ذات مخاض أصرخ بتعاسة من تتذوق مساماته لسعة البرد لأول مرة.. تعاليت على وجعي تماما كما الآخرين وتعلمت الابتسام نوماً بعذوبة من يرى الملائكة الطيبين (أو هكذا كنتُ أسمعهم يقولون كلما تبسمتُ نائمة)، في الوقت الذي كنتُ أرى فيه تموهات بيضاء مبهجة على خلفية شاسعة لم أستطع إدراك لونها حينها وعلمت بعدها أنها تشبه السماء إلا أنها مضيئة كما لم أرى السماء يوماً مذ أبصرت عيناي!
أما تلك التموهات الجميلة التي كنت أراها في منامي، فقد بدأت تخفف من زياراتها حتى اختفت تماما!
كعادة الكثير من النساء حين يحببن فرض سيطرتهن على ماحولهن (وتعبتني نون النسوه بالمناسبة)، تظن مدام هيلين –خاطئة- أنها تملك مكاناً عاماً بشهادة الجميع!
مدام هيلين (الأرمنية السبعينية-على الأرجح) التي تدير كافتيريا استراحة أعضاء هيئة التدريس في إحدى كليات الجامعة وتتكلم بلكنة مصرية مكسورة قليلا تعبتني لدرجة أني قررت الكتابة عنها!
هل يتخيل أحدكم أن يتناول إفطاره فيما يحوم حوله أحدهم متتبعا مسار طعامه؟!
هيلين تفعل ذلك وأكثر،
كعنصر غريب في لوحة مألوفة، بقعة صفراء على ثوب أزرق..
لا بل كـ.. كـ.. كذلك الشيء الذي لا يمتزج تماما في محيطه فيبدو كنوتة أخطأت طريقها في معزوفة ، أتوسط المسارات المتقاطعة لفتيات الصباح وأرقب كل شيء..
الساعة لم تتجاوز الثامنة وأنتَ تتصارع مع أصباغ الزينة الصارخة وروائح العطور المسائية!
مضى زمنٌ ولم أبرح ذات المكان، أنا التي خطوت أولى خطواتي المتوجسة من ذات البوابة المتجددة عتقاً لم يحتفظ بنكهته أبداً، أتشبث بطفولتي كما تتعلق صغيرة بحقيبة ظهر مهترئة تجمع فيها كل ما كان لها.. هنا تماماً..
ولا زلت أذكر الصوت المخنوق حدة، "بطاقتك يا طالبة!" كي أخرج نصف مافي..
"عوداً حميداً "! وددت أن أقولها لأحدهم -الذي لا أعرف تماماً- لكني وجدتني أجاهد نفسي كي لا أبدأ الحديث عن نفسي مجدداً.. نعم أتحدث عن نفسي.. فأنا في كل فكرة سوداوية أراني. هو كان يكتب عن الألم، عن الفقد، وعن أشياء غير جميلة جداً.. هو كان يخبر عن ثلاث سنوات من الغياب، وفقدان الصوت، وضياع الحس والوجهة.. وأنا كنت متأخرة عن موعد نومي بثلاث ساعات، وعن السعادة بثلاثة أعمار ربما.. كنت أيضاً أقرأه بمرارة، وبدموع تتكتل في الحلق كقطعة فولاذ، وبنية أن أكتب إليه: "عوداً حميداً، مني.. أنا القارئ الذي لم يقرأك تماماً لكنه عول على رجعتك، هل تعيد إليّ الزمن الجميل الذي لم أشهد؟ كنتُ مشتاقة إليك، ولمطر الكلمات، وكنت أساءل أصابعي كلما صفعني السكون، لماذا تأخرت نقراتك عمراً بأكمله، ولماذا توّهتني نقراتي عن هذا المكان؟!"
لكنه عاد وفي جعتبه الكثير الكثير من الحزن و "الكربون". ربما لم يكن بوسعه سوى العودة هكذا.. فهذا في نهاية المطاف زمن الكربون وعوادم السيارات والإبتسامات البلاستيكية، هو زمن المراهم البترولية والهباب الذي يخنق مستوى التنفس والرؤية، وهو أيضاً زمن مياه الصرف الطافحة، ومداخن المصانع التي لا تبالي بقبحها أو سعال النمل في مدينتنا.. هو زمن الموت بالجملة وزمن الجُمل الميتة!
أقول، "عوداً حميداً" وأود لو أقول له أيضاً: "أقرأك بمرارة متقدمة.. متأخرة بحوالي ثلاث ساعاتٍ ونصف عن موعد نومي المفترض.. أغص بمرارة خلفها Sweet November في جوفي وبألم يلكز خاصرتي.. هل تشبهني اليوم؟ أنا السوداوية التي يسكنها الحزن وتتطير به! ينقل إلي فيلم عابث فيروساً اسمه (الـ..) لا لن أسميه.. لكن نعم –إن كنتَ تتساءل- هو نفسه ذاك الذي ينسج بيته في زاوية من قلبك ويصبح الملك الذي دخل قريتك فأفسدها.
فقط لا تشبهني رجاءً، فأنا مدعاة للشفقة! حقاً، أنا مزرية والألم الذي يلكز خاصرتي، يلكز خاصرتي منذ نهاية "نوفمبر الجميل" فهل كان ذلك مصادفة أيضاً؟ ألا يوخزني شيء آخر في كل مرةٍ مع نهاية كل فيلم حزين؟!"
هل أردتَ أن تراني مكسورةً،
رأسي مطأطئٌ وعيناي كسِيفتان،
وكتفايَ مثقلانِ ببكاء روحي،
كدمعتينِ تسقطان.
ثم هل تزعجكَ عجرفتي؟
لاتأخذ الأمر بهذه الجديّة،
لأنني أضحكُ
كما لو أن لديّ مناجم ذهبٍ
تُحفر
في حديقتي الخلفية.
بإمكانك أن تُرْدِيني بكلماتك
بإمكانك أن تمزقني بعينيك،
وقد تكون قتلتني ببغضك،
ولكني، تماماً كما الهواء،
سأظل أصعد
ثم هل يغيضك هذا الاستعراض الجنسيّ؟
هل يبدو لك مفاجئِاً
أنني أرقص كما لو أن الألماس
مرصعٌ في التقاءِ فخذيّ؟
من داخل أكواخ عارِ التاريخِ
أصعد،
من الماضي المتجذرِ في الألم
أصعد
أنا محيطٌ أسود، يقفز ويتسع
يتورم وينفجر
أحتمل في المد
وأترك خلفي ليالٍ من الرعبِ والخوف
نحو انبلاجة يومٍ رائع الصفاء
أصعد
محمّلة بكلِ ما أهداه اجدادي
أصعد
أنا الحلم والأمل كل العبيد
أصعدُ
أصعدُ
أصعدْ
لم تعد الأفكار تزدحم وتحتشد في رأسي مؤخراً، الأمر الذي يبدو لي كهجرة جماعية لأفكاري التي لطالما نعتها بالسوداء، لكنها هجرة ليست معلومة الوجهة بالضرورة.. ماذا لو كان ذلك النزوح العكسي نوعاً من (الهجران) وليس (هجرة)؟! أيا كان، المهم أن رأسي أصبح خاوياً معظم الوقت وهو ليس بالأمر المريح كما قد يتخيل البعض أو قد يستشعر.. بالنسبة لي، هذا الخواء يوازي تسطح الإنسان بداخلي، واضمحلال كينونة تلك الأنثى، (الصعبة) كما تحب ماما أن تصفني حين لا أعجبها.. هذا الخواء يجعلني حمامة أخرى في سرب الحمام الذي لا ترى منه سوى شكله المتكامل.. صورة كاملة تغيب عنك تفاصيلها. لكني أشتاق لتلك "الصعبة" في كثير من الأحيان وأسلي النفس بزياراتها النادرة جداً.. خلاصة الموضوع هو أن أفكاري هجرتني، ثم أن صعبةٌ تساهلت معي مؤخراً، ناهيك عن أن جل ماحولي لا يشعرني بالرضى أبداً، فهل يجعل مني كل ذلك (إحباطة) تمشي على رجلين!
في الجامعة، أمشي كرجل آلي أحياناً، وأحيانا مثل طفلة تائهة يلوك قدميها التعب وتقاوم إغراء الإستلقاء على كل شارع تعرج عليه.. أحياناً أستمتع بمكاشفة الأعين المحدقة، وأحيانا أتجاهلها، وفي أحيان أخرى كثيرة أكون حمامة أخرى فقط. اتهالك أحيانا على كرسي يتهالك بدوره على رصيف لازال يقاوم، وأود لو أنني أستطيع الاختفاء فقط، أو أن أستلقي في منتصف الشارع الواقع بين المبنى الخامس و الثالث عشر.. هكذا فاردة جانحيّ دون أدنى نية في الطيران. لكني لا أفعل.. فقط أتسلى بعدّ الأقراط على وجوه العابرات في تقليعة جديدة إلى حد ما (هنا).. أخطئ في عدها فأتحول إلى فرز (الأولاد) الحقيقيين من المزيفيين العابرين أمامي.. تتابعني إحداهن بنظراتها قبل أن أتنبه لمرورها.. أو ربما (يتابعني أحدهم)، لم أعد متأكدة المهم أن الأمر لا يعني لي شيئا محدداً، كما تمر بي نسمات الهواء الباردة نسبيا دون أن أعني لها شيئا بالضرورة .. أعود أدراجي مروراً بالخامس -الشهير سابقاً والذي فقد بريقه اليوم- أهرول بجانبه مسرعة الخطى دون أن ألتفت صوبه أبداً خوف أن تصيبني لعنة ما!
ذلك المكان حيث كنت أتلقى أغلب محاضراتي يوم كنت طالبة، وهو ذات المكان الذي كانت تستعرض فيه الطالبات كل جديد، هنا حيث كنا نتبسط الأرض -صديقات دراسة لم يعد يجمع بيننا أي شيء- نستذكر حيناً وحيناً آخر نتبادل التعليقات على ماحولنا من مناظر عجيبة! هذا المكان اليوم شبه مقفر..
لم يعد يعني أي شيء، كما لم يعد كورنيش الجامعة، أو الشانزلزيه كمان كان يسميه البعض! هنا فقط محاضرات، فتيات في عجلة لحضور محاضرة، ومشرفة لا شغل لها سوا الترصد لي كلما مررت مروراً، أول مرة حين لاحقتني منادية بصوتها الصلف: "بطاقتك ياطالبة، تنورتك قصيرة!".. وباقي المرات حين تأكلني بنظراتها الفارغة وكأنها لاتستطيع التصديق بأنني لم أعد طالبة تقع داخل نطاق سيطرتها!